“أفتار”.. والجيل الجديد

January 16, 2010 في الساعة 10:06 pm


*هاشم غرايبة

فلم أفتار مدته ساعتان وأربعون دقيقة، ومع ذلك الفلم لا يبدو طويلاً! وذلك لأن الفلم الذي تقع أحداثه في سنة 2154م، يحتوي الكثير: البشر سكان الأرض، و”النافيون” مخلوقات الكوكب باندورا، والمناظر الخلابة، ودقة التأثيرات. كل هذا يجعل من فيلم “افتار” فلم كامل بل أفضل فلم لعام 2009م، وعلامة واضحة على ولادة جيل جديد من أفلام السينما. الفلم توزيع “تونث سنتشري”، من بطولة “سام ورثينغتون”، و”زوي سالدن”، و”ستيفان لانغ”، وتكلفة إنتاجه تقدر 250 مليون دولار، ومدة انجازه دامت حوالي 10 سنين من بداية إخراجه حتى أنتج, ولا شك أن كمرون عرف كيف يصرف 250 مليون دولار بشكل حكيم.

جيل جديد من الشباب يتخطون عتبة العشرين مع سينما ثلاثية الأبعاد: “أفتار”، و”ستار وور” و”لورد أف ذا رنغ”.. و” 2012″م. ويحاورونا بمفاهيم جديدة حول الكون والحياة والمستقبل.. يتحدثون في “الماورائيات” بغير ما ألفنا، وينظرون إلى الواقع بعيون مختلفة عما نرى.. ويحلمون بقيادة مركبات فضاء، ويلعبون مع المتغيرات الجينية.. ويعرفون السنة الضوئية، والثقوب السوداء، وهشاشة الكرة الأرضية!

الخاصية المميزة لفلم أفتار هي الإدهاش إذ يجعلنا نتساءل حول مدى صحة الإجابات المقبولة والحلول المتوفرة علميا. لكن النقد لا يكون نقدا إلا إذا كان مؤسسا. ويقدم  تفسيراً ما مقبولا عند الأقدمين, فإن الدهشة و تحديدا وازع إبداع حقيقة جديدة في فلم سينمائي يمثل ماهية وجوهر التقدم.

هذا الفلم أعاد لذاكرتي أفكارا خبرتها:

- ما الإنسان إلاّ ظل يمشي.. “شكسبير”

- وما نحن سوى الظلال التي يلقيها ضوء النار على جدار الكهف.. “أفلاطون”.

- الصورة في المرآة لها وجود تخيلي. هذه الصورة المنعكسة ليس لها وجود إلا في الخيال لا حلول في المرآة ولا النقش في وجهها. وإن كان الانتقاش هو في التخيل، حيث يتوهم أنه في المرآة.. العالم متخيل نفسه!.. “ابن عربي”

- ما نراه من الكون هو ما كان عليه في الماضي.. “كارل ساغان”

لعل هذا الكون ليس هو ما هو عليه؛ بل ما نتصوره نحن عنه.. لعلنا لا نمتلك تلك الحقائق إلا بكيفية تقريبية ونسبية وأن النظريات التي نحصل عليها بعيدة كل البعد عن أن تمثل حقائق قارة. وعندما نضع نظرية عامة (من بين تلك النظريات ) العلمية فإن الأمر الوحيد الذي نكون قد تيقنا منه هو أن كل النظريات تصبح خاطئة إذ أضفينا عليها صبغة الإطلاقية. فهي ليست سوي حقائق جزئية ومؤقتة ولكنها ضرورية لنا كدرجات نرتكز عليها لنتقدم وهي لا تمثل إلا الحالة الراهنة لمعارفنا وبالتالي عليها أن تتغير..

فلم أفتار للمخرج الفذ “جيمس كمرون” هو فلم الجيل الجديد ورؤاه.. وقد دعاني أبنائي لحضوره، فأدهشني، وحفزني لكتابة هذا المقال..

أبنائي في مطلع العشرينات من أعمارهم، ومثل غالبية أبناء جيلهم يعشقون أفلام الخيال العلمي، ومباريات كرة القدم ولهم مواقع على الفيس بك واليو تيوب وغوغل، ويهتمون بلعبة الجينات، والتخاطر الفكري وألعاب الفيديو، ويتفرجون على “ناروتو”.. أفتقد أحدهم فأجده في الكراج كامن في السيارة يستمع لأغاني عبد الوهاب أو أم كلثوم أو فيروز! وأظن أن ابني الآخر منكباً على دروسه فإذا هو يقرأ كتابا لعبد الكريم غرايبه أو لهشام جعيط! وكنت أظن أنهم يتميزون أو يختلفون عن جيلهم في شغفهم بسماع الأغاني القديمة، ويمارسون متعة القراءة الورقية.. لكن أكثر من صديق أكد لي هذه الظاهرة عند الجيل الجديد! حتما لا نتوقع أن الجيل بكامله ينحى هذا المنحى ولكن مادام هناك نواة لهذا التوجه فينبغي ملاحظاتها، فليس صحيحاً أن خيارات الجيل الجديد تنحصر في التوجه السلفي المتزمت، أو التوجه العبثي التائه.

أفكارنا تأتينا عند رؤية الأحداث التي لاحظناها في البداية والتي نؤولها في ما بعد إلا أنه يمكن أن تتسرب إلى ملاحظاتنا أسباب كثيرة للخطأ رغم كل انتباهنا وكل فطنتنا فنحن لا نستطيع أبدا أن نثق في أننا قد رأينا كل شيء، ينتج عن ذلك أن حقول الممارسة اليومية, والتطبيقات العملية, البدائل، والأطروحات الأخلاقية والسياسية.. سيجعلنا نتقبل “تجريبية” الشباب، ونسلم لهم بحقهم بالتخلي عن “اليقينية”.. فالعقل التجريبي العلماني النقدي يقبل داخله مشروعيته؛ حضور المبحث الميتافيزيقي، وحضور القيم الأخلاقية، والثوابت الدينية, إنه يؤكد مطلب الشاعر بول إلوار:” اتركوني إذن أقبل ما قد يساعدني على الحياة..

أضف تعليقك :)