سياسة وسياحة وتمر هندي

July 22, 2010 في الساعة 3:52 pm
سياسة وسياحة وتمر هندي
*هاشم غرايبة
تشرفت بتمثيل رابطة الكتاب الأردنيين في قافلة شريان الحياة (أنصار1) التي نظمها مجمع النقابات المهنية، والمتجهة لنصرة أهلنا في غزة العزة.. وبانتظار الإمساك بـ (إذن) العبور على ناقل (الجسر العربي) إلى الأراضي المصرية أقمنا في مدينة العقبة..
أترك لمقال قادم الحديث عن القافلة وأهدافها، وعقبات المسير وشجونها، والمنظمين ولخمتهم.. لأكتب عن العقبة وقصبتها، وعن فتافيت السكر المبلولة بماء البحر، وعن سلوى البرغوثي ومبادئها، وعن أبي ناصر المثقف السبعيني صاحب التمر هندي المعطر بماء الورد.
أعرف العقبة منذ نعومة أظفاري، بل منذ نعومة أظفارها.. لما كان شاطئها سداحاً متاحاً للمقيم والظاعن، ومزاراً للسبّاحين المهرة، و(المطبّشين) في الماء من عشاق البحر والنجوم، ومنطلقاً للصيادين المحترفين، وتسلية لهواة الصيد بالصنارة.. وكانت متعة مداعبة الموج الهادئ بقدمين حافيتين وتدخين النارجيلة العجمي متاحة للغني والفقير في مقهى الغندور.
في سبعينيات القرن الماضي كانت الشعاب المرجانية التي تُرى من القارب ذي القعر الزجاجي، والكورال بيتش، ومقهى الغندور، ومسمكة أبو شاكر.. تُشكّل إحداثيات البلدة الوادعة.
كنت أرى جبالها المخططة بعروق خامات النحاس والحديد والكلس شامخة تحرس (ثغرنا الباسم). وكان شاطئها كريماً وفسيحاً، ونخلها يتمايل على سجيته مع رياحها الشمالية دائماً.. وكانت السباحة في مياه الخليج الدافئة ترفاً مجانياً لا يشوبه إلا بعض الحذر من شوك دجاجة البحر.
هل أنا نوستالجي؟ (أه وماله).. اليوم أقف مشدوها على شريط شاطئها المحاصر بعمرانها الباذخ، وأمشي غريباً في شوارعها الرحبة النظيفة، وأتوه في أحيائها الجديدة (الخامسة والعاشرة والسابعة..) معجباً بحسن تخطيطها، وأزاحم خليط زوارها بأزيائهم الكرنفالية..
من موقعي هنا أشاهد ثمانية نواد ليلية يتخللها أربع محلات مساج، أرى عابرات وعابرون بأزياء تتنوع من النمط المغالي في التشدد إلى المشلّح خالص!!..
أرى غنىً طارئاً في الواجهة في حين ينزوي فقراء المدينة بعيداً في حي الشلالة.. على الشريط البحري الضيق المتاح وسط المدينة الماضي رأيت شباباً يرمون بصناراتهم إلى الماء لكني لم أر سمكاً..
هل حقاً الماضي أحلى؟
في العقبة اليوم ما يفرح: سهولة التجوال فيها. توقف السيارات احتراماً للمشاة عند الممر. بشاشة رجال الشرطة. عذوق البلح الأصفر والأحمر تلامس رؤوس المشاة. مشاوير الصباح الباكر بصحبة الصديق محمد البشير. حفاوة النشامى (كركية العقبة) بالمناضل ضرغام هلسة. تنفس نسمات ريح الشمال فوق الماء الدافئ. تنظيم الحدائق الظليلة لاستراحة المتسوقين. الساحات الواسعة لوقوف الحافلات. النظافة التي لا يشوبها إلا الإعلانات العشوائية عن الشقق المفروشة. الموج الذي يثور مع تحرك سفينة ما في العمق. الأطفال؛ فتافيت السكر يمشون خطاهم الأولى في الماء. الأولاد يرسمون على الرمل خيالاتهم ويبنون قلاعهم. صبية تميز نفسها عن أفراد أسرتها (المندلشين)، فتجلس بحذر على حافة المفرش متباهية بمداراة نصف وجهها متظاهرة برعاية أختها الصغيرة. مقهى سلوى البرغوثي الذي لا يستقبل الإسرائيليين، وترحب بمن يرتدي السترة التي تميز فرسان (شريان الحياة) بل وتعفيه من الفاتورة. دندنة نحاسيات (أبو ناصر) بائع التمر هندي بطربوشه الأحمر النظيف المائل إلى اليسار، الذي أدهشنا بحافظته الشعرية..
كنا نفترش رمل الشاطئ بعد منتصف الليل: المناضل عماد المالح. ورفيق السجن رسمي الجابري الذي لم أره منذ غادرنا سجن المحطة منتصف الثمانينيات؛ وجمعنا اليوم شريان الحياة. القاضي المتقاعد أسعد غرايبة. المناضل ماهر الطباخي. المحامي صالح أبو جيش. الصيدلي د.عمار الأعرج. وعضوا لجنة إحياء نقابة المعلمين: الأستاذ حيدر المعايطة، والأستاذ معاذ البطوش.. وأثار بائع التمر هندي السبعيني حوله عاصفة من الحوار ففاجأنا بآرائه الحرة، وثقافته الواسعة!.. وها أنا أستعير منه عنوان هذا المقال.. سياسة وسياحة وتمر هندي.

*هاشم غرايبة

تشرفت بتمثيل رابطة الكتاب الأردنيين في قافلة شريان الحياة (أنصار1) التي نظمها مجمع النقابات المهنية، والمتجهة لنصرة أهلنا في غزة العزة.. وبانتظار الإمساك بـ (إذن) العبور على ناقل (الجسر العربي) إلى الأراضي المصرية أقمنا في مدينة العقبة..

أترك لمقال قادم الحديث عن القافلة وأهدافها، وعقبات المسير وشجونها، والمنظمين ولخمتهم.. لأكتب عن العقبة وقصبتها، وعن فتافيت السكر المبلولة بماء البحر، وعن سلوى البرغوثي ومبادئها، وعن أبي ناصر المثقف السبعيني صاحب التمر هندي المعطر بماء الورد.

أعرف العقبة منذ نعومة أظفاري، بل منذ نعومة أظفارها.. لما كان شاطئها سداحاً متاحاً للمقيم والظاعن، ومزاراً للسبّاحين المهرة، و(المطبّشين) في الماء من عشاق البحر والنجوم، ومنطلقاً للصيادين المحترفين، وتسلية لهواة الصيد بالصنارة.. وكانت متعة مداعبة الموج الهادئ بقدمين حافيتين وتدخين النارجيلة العجمي متاحة للغني والفقير في مقهى الغندور.

في سبعينيات القرن الماضي كانت الشعاب المرجانية التي تُرى من القارب ذي القعر الزجاجي، والكورال بيتش، ومقهى الغندور، ومسمكة أبو شاكر.. تُشكّل إحداثيات البلدة الوادعة.

كنت أرى جبالها المخططة بعروق خامات النحاس والحديد والكلس شامخة تحرس (ثغرنا الباسم). وكان شاطئها كريماً وفسيحاً، ونخلها يتمايل على سجيته مع رياحها الشمالية دائماً.. وكانت السباحة في مياه الخليج الدافئة ترفاً مجانياً لا يشوبه إلا بعض الحذر من شوك دجاجة البحر.

هل أنا نوستالجي؟ (أه وماله).. اليوم أقف مشدوها على شريط شاطئها المحاصر بعمرانها الباذخ، وأمشي غريباً في شوارعها الرحبة النظيفة، وأتوه في أحيائها الجديدة (الخامسة والعاشرة والسابعة..) معجباً بحسن تخطيطها، وأزاحم خليط زوارها بأزيائهم الكرنفالية..

من موقعي هنا أشاهد ثمانية نواد ليلية يتخللها أربع محلات مساج، أرى عابرات وعابرون بأزياء تتنوع من النمط المغالي في التشدد إلى المشلّح خالص!!..

أرى غنىً طارئاً في الواجهة في حين ينزوي فقراء المدينة بعيداً في حي الشلالة.. على الشريط البحري الضيق المتاح وسط المدينة الماضي رأيت شباباً يرمون بصناراتهم إلى الماء لكني لم أر سمكاً..

هل حقاً الماضي أحلى؟

في العقبة اليوم ما يفرح: سهولة التجوال فيها. توقف السيارات احتراماً للمشاة عند الممر. بشاشة رجال الشرطة. عذوق البلح الأصفر والأحمر تلامس رؤوس المشاة. مشاوير الصباح الباكر بصحبة الصديق محمد البشير. حفاوة النشامى (كركية العقبة) بالمناضل ضرغام هلسة. تنفس نسمات ريح الشمال فوق الماء الدافئ. تنظيم الحدائق الظليلة لاستراحة المتسوقين. الساحات الواسعة لوقوف الحافلات. النظافة التي لا يشوبها إلا الإعلانات العشوائية عن الشقق المفروشة. الموج الذي يثور مع تحرك سفينة ما في العمق. الأطفال؛ فتافيت السكر يمشون خطاهم الأولى في الماء. الأولاد يرسمون على الرمل خيالاتهم ويبنون قلاعهم. صبية تميز نفسها عن أفراد أسرتها (المندلشين)، فتجلس بحذر على حافة المفرش متباهية بمداراة نصف وجهها متظاهرة برعاية أختها الصغيرة. مقهى سلوى البرغوثي الذي لا يستقبل الإسرائيليين، وترحب بمن يرتدي السترة التي تميز فرسان (شريان الحياة) بل وتعفيه من الفاتورة. دندنة نحاسيات (أبو ناصر) بائع التمر هندي بطربوشه الأحمر النظيف المائل إلى اليسار، الذي أدهشنا بحافظته الشعرية..

كنا نفترش رمل الشاطئ بعد منتصف الليل: المناضل عماد المالح. ورفيق السجن رسمي الجابري الذي لم أره منذ غادرنا سجن المحطة منتصف الثمانينيات؛ وجمعنا اليوم شريان الحياة. القاضي المتقاعد أسعد غرايبة. المناضل ماهر الطباخي. المحامي صالح أبو جيش. الصيدلي د.عمار الأعرج. وعضوا لجنة إحياء نقابة المعلمين: الأستاذ حيدر المعايطة، والأستاذ معاذ البطوش.. وأثار بائع التمر هندي السبعيني حوله عاصفة من الحوار ففاجأنا بآرائه الحرة، وثقافته الواسعة!.. وها أنا أستعير منه عنوان هذا المقال.. سياسة وسياحة وتمر هندي.

أضف تعليقك :)